قصة فتح مدينة سمرقند لماذا انسحبت منها جيوش المسلمين؟


تعود قصة فتح سمرقند الى فترة خلافة الخليفة الاموي عمر بن عبدالعزيز، كان حينها القائد المسلم الشهير قتيبة بن مسلم الباهلي يفتح المدن والقرى وينشر الدين الاسلامي في الارض.

قصة فتح مدينة سمرقند لماذا انسحبت منها جيوش المسلمين؟
قصة فتح سمرقند

قصة سمرقند

قتيبة بن مسلم وفتح سمرقند - في بداية قصة فتح سمرقند كان فتح المدن يتم بدعوة اهلها الى الاسلام او الجزية ثم يمهلهم ثلاثا كعادة المسلمين ثم يبدأ القتال.

ولكن قتيبة بن مسلم الباهلي دخل سمرقند واخذ اهلها على حين غرة من دون المهل المتعارف عليها. حيث كان لها جيشا قويا يحميها وكان تاريخها مع الغزاة حافل بالانتصارات فلم يكن بوسع سمرقند الا الاستسلام.

ففرقادتها وحكامها وكهانتها الى الجبال. ودخل الناس بيوتهم مذعورين، وقد الجمتهم المفاجأة الجاما. وسيطرت جيوش المسلمين على المدينة كلها دون اي مقاومة.

شيئا فشيئا بدأ اهل سمرقند يخرجون من بيوتهم ويتعاملون مع الجنود بحذر وترقب، وما هي الا ايام حتى ادركوا ان المسلمين لا يريدون بهم الشر بل هم غزاة من نوع جديد يرحمون الصغير ويساعدون الضعيف ويدعون لعبادة اله واحد.

لا يسرقون ولا ينهبون ولا يقتلون بل يحملون الامن وينشرون دينهم الاسلامي.

كيف عرف اهل سمرقند عدل المسلمين

في احد الايام نشبت مشاجرة في السوق بين شاب من اهل سمرقند وجندي من المسلمين. وتجمع الناس في خوف وترقب. فلا شك عندهم ان جنود المسلمين سيتجمعون من كل صوب ليلقنوا الشاب درسا لا ينساه.

وليكون عبرة لكل من تسول له نفسه ان يعتدي على جندي من المسلمين، وخلال لحظات تجمع الجند واحاطوا بالمشاجرة ووسط دهشة الجميع.

اقتاد الجند المتخاصمين والشهود الى القادي لم يتوقع احد ممن حضر المحاكمة شيئا مما حدث، اوقف القاضي المسلم الجندي المسلم بجوار الشاب الوثني. وحقق في الامر بكل نزاهة. ثم اصدر حكمه على الجندي المسلم.

فور صدور الحكم انتشر الخبر في طول المدينة وعرضها. ان لهؤلاء الغزاة قضاء عادل، وهناك في الجبال البعيدة وقف شاب سمرقندي امام كبير الكهان فقص عليه القصة التي اثارت استعجاب الجميع.

وحين تأكد الكهان مما حدث اتخذوا قرارا لم يسبقهم اليه احد، لقد قرر الكوهان ان يرسلوا بشكواهم ضد قتيبة بن مسلم الى الخليفة انذاك عمر بن عبدالعزيز.

رحلة إلي أمير المؤمنين

انطلق الجواد الاصيل يطير باحد شباب الكهان الى عاصمة الخلافة الاسلامية. كانت احلام النجاح في مهمته شبه المستحيلة تساور الكاهن الشاب، واخذ يعد العدة لما قد يلاقيه من مصاعب.

اذ كيف له ان يدخل على امير المؤمنين الذي يحكم دولة لم يسمع التاريخ عن مثلها. تمتد من حدود الصين شرقا الى المحيط الاطلسي غربا.

كيف سيتحدث الى هذا الملك العظيم الذي فاق في ملكه كسرى وقيصر، ماذا سيقول له؟ وهو يشتكي اليه احد اعظم القادة وماذا عساه ان يفعل به وهو من اعداءه؟ وخصوم دولته.

الا ان ما جهله الشاب ان من يقصده هو ملك اشتهر بزهده وعدله ومواقفه الرجولية التي ميزته عن غيره.

ازدهرت البلاد في زمنه وقلت الحاجة والفقر وسنة الكثير من القوانين والاحكام التي جعلت من عدله وحكمته قصصا يرويها اهل البلاد في كل اروقتها وبقاعها.

وصول الكاهن إلي امير المؤمنين عمر بن عبد العزيز

انتهت رحلة الكاهن الشاب عند بيت قديم من الطين في حي متواضع من احياء العاصمة. قالوا له انه سيجد هناك الخليفة عمر بن عبد العزيز.

لم يصدق الشاب في بادئ الامر! اذ كيف لمن يملك الدنيا ان يكون بيته في مثل هذا المكان؟ اقترب الكاهن الشاب من البيت. فاذا برجل يصلح جدارا بالطين، وقد غطى الطين ثوبه ويديه كلما مر عليه احد قال السلام على امير المؤمنين.

صعق الشاب مما رأى. اهذا هو ملك الدنيا الذي خضعت له الرقاب؟ امر حقا غريب. وبينما هو مندهش يتأمل. اذ جاءت امرأة مع ابن لها تطلب منه ان يزيد عطاءها من بيت مال المسلمين.

واثناء حديثها مال ابنها على لعبة كانت في يد ابن الخليفة فخطفها منه. ولما حاول ابن الخليفة استرداد اللعبة لطمه ابن المرأة السائلة فسال الدم من وجهه.

وكأي ام هرعت زوجة الخليفة الى ابنها فضمته وضمدته وانفجرت صارخة في المرأة وطفلها. نظر عمر الى وجه المرأة وابنها وقد اصابهما رعب شديد.

فهدأ من روعها واخذ اللعبة من ابنه واعطاها للصغير الفقير. وامر لها بزيادة العطاء واخذ ابنه فقبله وهدأه ثم التفت لزوجته وقال " حنانيك لقد روعتها وابنها ". ثم اكمل اصلاح الجدار وكأن شيئا لم يكن.

شكوي اهل سمرقند إلي عمر بن عبد العزيز

اما الكاهن الشاب فقد احس انه في حلم ولكنه تجرأ واقترب من الخليفة. ولما سأله عن شأنه قال سيدي: اني صاحب مظلمة لاهل سمرقند.

جئت اشكي اليك قتيب بن مسلم، وقد علمنا عدلكم فطمعنا ان تنصفنا. ان قتيب اخذنا على غرة، وقد علمنا انه من عاداتكم ان تنذروا القوم ثلاثة ايام. تخيرونهم فيها بين الاسلام او الجزية او القتال.

قال عمر: انها ليست عاداتنا انه امر الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، قال الشاب فان قتيبة لم يفعل ذلك.

فاطرق عمر قليلا ثم امر الكاتب فكتب رسالة وختمها بختمه ودفعها للشاب وقال اعط هذه لوالي سمرقند يرفع عنكم الظلم باذن الله ومرة اخرى عاد ليكمل اصلاح الجدار وكأن شيئا لم يكن.

فض والي سمرقند رسالة الخليفة وقرأها ثم قال للكاهن الشاب سمعا وطاعة لامير المؤمنين، لقد امرني ان اعين قاضيا يقضي في مظلمتكم.وسافعل، وموعدنا بعد يومين فاذهب يا بني وائت بالكهنة والقادة من قومك، ولهم منا الامان.

فارسل في طلب قتيبة بن مسلم ثم اجتمع الناس حيث تعقد المحاكمة. وجاء القاضي المسلم ونادى الحاجب على كبير الكهان فتقدم.

ثم نادى على قتيبة بن مسلم فاوقفه القاضي بجوار خصمه، ثم امر القاضي الكاهن ان يعرض مظلمته.

فقال الكاهن: هذا قائدكم قتيبة بن مسلم دخل بلادنا دون انذار كل البلاد اعطاها خيارات ثلاث. الاسلام او الجزية او الحرب. اما نحن فاخذنا بالخديعة.

التفت القاضي الى قتيبة وقال ما تقول في هذه الشكوى؟ قال قتيبة اصلح الله القاضي، الحرب خدعة وهذا بلد شديد البأس. وكان عقبة امام الفتح

وقد علمت اننا ان اقتتلنا سالت دماء الفريقين كالانور، فهداني الله الى هذه الخطة وبهذه المفاجأة حمينا المسلمين من اذى عظيم وحقنا دماء اعدائنا. نعم. لقد فاجأناهم ولكن انقذناهم وعرفناهم الاسلام.

قال القاضي يا قتيبة هل دعوتهم للاسلام او الجزية او الحرب؟ قال قتيبة لا لم نفعل. فقال القاضي يا قتيبة لقد اقررت. واذا اقر المدعى عليه انتهت المحاكمة.

يا قتيبة ما نصر الله هذه الامة الا بالدين، ومن اعظم الدين اجتناب الغدر واقامة العدل، والله ما خرجنا من بيوتنا الا جهادا في سبيل الله، وما خرجنا لنملك الارض ونحتل البلاد ونعلو فيها بغير حق.

اقرأ ايضا: اهم عوامل سقوط الاندلس وصراع الملوع علي الحكم

حكم القاضي بخروج جيوش المسلمين من سمرقند

ثم اصدر القاضي اعجب حكم صدر في تاريخ البشرية وقال حكمت ان تخرج جيوش المسلمين جميعا من سمرقند خفافا كما دخلوها في مهلة ثلاثة ايام.

ويرد البلد الى اهله ويعطونهم الفرصة ليستعدوا للقتال. ثم ينذرونهم ويخيرونهم بين الاسلام او الجزية او الحرب. فان اختاروا الحرب كان القتال وذلك تطبيقا لشرع الله عز وجل وسنة نبيه عليه الصلاة.

الدهشة التي تملكتك انت قارئ القصة الان هي ذاتها تلك التي تملكت اهل سمرقند وهم يسمعون ذلك الحكم التاريخي الخالد.

واستتب له الامر ثم يأمرهم قاضيهم ان يرحلوا عنها لانهم لم يطبقوا شرع الله. اخذت الدهشة بمجامع اهل سمرقند جميعا. وهم يرون المسلمين يرحلون خفافا مسرعين. فمن قضت الايام الثلاثة الا والمدينة خالية من اي مسلم.

إسلام أهل سمرقند

اجتمع اهل السمرقد وقادتهم وكهانهم في وسط المدينة وهم لا يصدقون ما حدث، ثم تداولوا بينهم وقالوا ان قضاء هذا فعله لهو العدل المطلقف.

وان دينا يأمر اتباعه بمثل هذا لهو الدين الحق. ولم يطل الامر كثيرا حتى اسلمت سمرقند عن بكرة ابيها. وحقق حكم واحد في القضاء الاسلامي العادل ما عجزت اكبر الفتوحات عن تحقيقه.

 في التاريخ ايضا ابحثوا عن الالهام. حاولوا ان تجدوا العدل لانه لطالما كان مفتاح نجاة الامم. واساس ملكها بالعدل فقط ذكرها التاريخ بفخر.

وعند غيابه كانت امما ذليلة. لم تورث سوى الخلافات والانشقاقات. لو مهما حاول اهل الباطل تجميل صورتها

لقد كانت قصتنا اليوم قصة فتح اسلامي جميل وشهير. ولكن العبرة بالخواتيم. حكم قضائي خلف حالة من الذهول. فكان الاعجب بالتاريخ. والنتيجة هي المفاجأة الاكبر

ابحثوا عنهم في كل الحقبات التاريخية واقرأوا ما صنعوا. نحن بحاجة الهامهم بل نحن بامس الحاجة اليوم الى مثلهم. اليس كذلك؟ هذا تاريخ لكم فيه عبرة.